الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

38

نفحات القرآن

واضح على ذلك ، والمراد من ( الحق ) كما يقول المرحوم الطبرسي في مجمع البيان والفخر الرازي في التفسير الكبير والآلوسي في روح المعاني ، هو نفس البعث والنشور . ولكن ظاهر الآية أنّ المراد بالحق الوارد في الآية الكريمة هو نفس معناه الأصلي ، وبتعبير ( الميزان ) يعني القضاء الحتمي ، والنشور هو مصداقه ، أمّا تعبير ( يوم الخروج ) فالمقصود منه يوم خروج الناس من قبورهم . وهنا يطرح هذا السؤال : ومن الذي يسمع هذه الصيحة ؟ هل تسمعها الأرواح قبل ورودها الأجساد ؟ أم أنّ الأبدان تحيى وترجع إليها الأرواح عند الصيحة ؟ وبهذا يستمر الناس في سماعهم للصيحة ، ومثل ذلك كمثل ساعة الجرس التي تدق قرب شخص نائم فتوقظه ، وهناك أقوال أخرى ، والمعنى الثاني هو الأنسب لسياق الآية . في الآية الخامسة عشرة نجد تعبيراً جديداً وهو ( نقر ) قال تعالى : « فَإِذَا نُقِرَ في النَّاقُورِ * فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيرُ يَسِيرٍ » و ( نقر ) كما يقول أرباب اللغة ، في الأصل يعني طرق شيء ، والمنقار هي وسيلة الطرق ، ومن هنا يكون الطرق ملازماً للصوت وتأتي هذه الكلمة أحياناً بمعنى إيجاد الصوت أو سببه وهو هنا النفخ في الصور ، ولذا نجد أنّ مجموعة من المفسرين فسروا الآية بشكل مباشر بالنفخ في الصور ، فالنقر بمعنى النفخ والناقور بمعنى الصور « 1 » . وهناك احتمال آخر وهو أنّ تعبير ( النقر ) جاء لأنّ الصوت الذي ينبعث من البوق من العظمة والشدّة وكأنّه ينقر الاذن نقراً ويغوص إلى المخ . على أيّة حال ، فإنّ هذا التعبير هو إشارة إلى النفخة الثانية بشهادة الآيات التي بعد هذه الآية والتي تخبر عن الوضع العسير الذي يعيشه الكافرون في ذلك اليوم ، ويقول الفخر الرازي : « إذا كان المقصود هو النفخة الأولى ( كما يحتمل المفسرون ) فسوف لا يكون ذلك اليوم عسيراً على الكافرين لأنّهم يموتون في تلك الساعة ، إنّما اليوم الشديد على الكافرين عند صيحة الإحياء ولذلك يقولون : ياليتها كانت القاضية » « 2 » .

--> ( 1 ) راجع تفاسير مجمع البيان ؛ وروح البيان ؛ والكبير في ذيل الآية مورد البحث . ( 2 ) راجع تفاسير مجمع البيان ؛ روح المعاني ؛ روح البيان ؛ الفخر الكبير .